ابن سبعين
185
بد العارف
« رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » . وحيثما ذكر الله عز وجل الروح في كتابه فبالتعظيم ذكره . قال الله عز وجل : « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » « 1 » . ولم يقل الجسم الأمين على قلبك وقال : « يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ » وقال « تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها » وقال : « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا » . ولئن نازعت في الروح البشري فلا جرم ان فيما ذكره الله سبحانه من أمر الروح أوضح دليل على اتضاع الجسم دونه . وكيف لا يتضع له وقد طوقه الله تعالى أمثلته وجعل الهيئات منقادة له . قال الله تعالى : « فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » . ثم يرجع الكلام بنا إلى أصل مسألتك وتقرير حجتك والدليل بحول الله على دحوضها بالمعقول الصحيح والكلام الوجيز إذ المنقول قد خلص غرضنا في الروح وأخذ جميع ما كان بيدك واحرق يابس اعتقادك فنقول : [ الروح على زعم بعض لا يخلو اما ان يكون عرضا أو جسما أو جوهرا فردا ] الروح على ما تزعمه لا يخلو اما ان يكون عرضا أو جسما أو جوهرا فردا . إذ لا يعقل العالم الا على هذه الفصول . فإن كان جسما احي الله به جسما فيجب ان يحيي الآخر بجسم وذلك الجسم بجسم إلى ما لا نهاية له ، وهذا فاسد . وان كان جوهرا فردا لم يتعدى محله ويستحيل حياة الجسم به لتباعد أقطاره واتساع مقاديره . وان كان عرضا فهو لا يخاطب ولا يعقل ، إذ الصفة لا تتصف والواحد لا يتنوع في وحدته . فان قلت انا لا نوجب حياة الجسم بجسم آخر لأنه جسم لكن نوجب حياة جسم ميت كثيف بجسم أبدعه الله حي لطيف بحياته لأنه حي لا لأنه جسم . ولا يجب على هذا تسلسل الأجسام إلى ما لا نهاية له ويسقط قولك . ويقال لك ما يقرب من مذهبك ثم تنقل عنه . وهذا
--> ( 1 ) - على التوالي سورة 26 آية 192 - 194 . 26 - 2 . 97 - 4 . 19 - 17 .